العيني

272

عمدة القاري

ودهش ، بفتح الدال وكسر الهاء صفة مشبهة ، أي : متحير مدهوش . قوله : ( فوثئت ) ، بضم الواو وكسر الثاء المثلثة من الوثأ ، وهو : أن يصيب العظم وصم لا يبلغ الكسر ، وذكر ثعلب هذه المادة في باب المهموز من الفعل ، يقال : وثئت يده فهي موثوءة ووثأتها أنا . وأما ابن فارس فقال : وقد يهمز ، وقال الخطابي : والواو مضمومة على بناء الفعل لما لم يسم فاعله . قوله : ( ما أنا ببارح ) أي : بذاهب . قوله : ( الناعية ) ، بالنون وكسر العين المهملة على وزن فاعلة : من النعي ، وهو الإخبار ، بالموت ، ويروى : ( الواعية ) ، أي : الصارخة التي تندب القتيل ، والوعي الصوت . قال صاحب ( العين ) : الوعي جلبة وأصوات الكلاب في الصيد ، وقال : الداعية التي تدعو بالويل والثبور وهي النائحة . قوله : ( سمعت نعايا أبا رافع ) كذا الرواية ، وصوابه : نعاي ، بغير ألف ، كذا تقوله النحاة ، وقال الخطابي : هكذا يروى : ( نعايا أبي رافع ) وحقه أن يقال : نعاي أبي رافع أي : انعوا أبا رافع ، كقولهم : دراكِ بمعنى : أدركوا ، وزعم سيبويه أنه يطرد هذا الباب في الأفعال الثلاثية كلها أن يقال فيها : فعالِ ، بمعنى : إفعل ، نحو ، حذار ومناع ونزال ، كم تقول : أنزل واحذر وامنع ، وقال الأصمعي : كانت العرب إذا مات فيهم ميت ركب راكب فرساً وجعل يسير في الناس ، ويقول : نعاء فلانا ، أي : أنعه وأظهر خبر وفاته ، قال أبو نصر : وهي مبنية على الكسر ، وقال الداودي : نعايا جمع ناعية ، والأظهر أنه جمعي ، مثل : صفايا جمع صفي ، وفي ( المطالع ) : نعايا أبي رافع هو جمع نعي أي : أصوات المنادين بنعيه من الرجال والنساء ، وقد يحتمل أن تكون هذه الكلمة كما جاء في الخبر الآخر في حديث شداد بن أوس : نعايا العرب ، كذا في الحديث ، قال الأصمعي : إنما هو : يا نعاء العرب ، أي : يا هؤلاء انعوا العرب ، وقال الكرماني : يحتمل أن نعاء من أسماء الأفعال ، وقد جمع على نحو خطايا شاذاً . ويحتمل أن يكون جمع نعي أو ناعية . قلت : هو من أسماء الأفعال بلا احتمال ، لأنه بمعنى : انعوا ، كما ذكرنا ، وقوله : أو ناعية ، نقله من كلام الداودي ، وفيه نظر لا يخفى . قوله : ( وما بي قلبة ) بالقاف واللام والباء الموحدة المفتوحات أي : ما بي علة ، قال الفراء : أصله من القلاب ، وهو داء يصيب الإبل ، وزاد الأصمعي : تموت من يومها به ، فقيل ذلك لكل سالم ليس به علة . وقال ابن الأعرابي : معناه ليست به علة يقلب لها فينظر إليه ، وأصل ذلك في الدواب ، وعن الأصمعي معناه : ما به داء ، وهو من القلاب داء يأخذ الإبل في رؤوسها فيقلبها إلى فوق ، وقال الفراء : ما به علة يخشى عليه فيها ، وهو من قولهم : قلب الرجل إذا أصابه وجع في قلبه ، وليس يكاد يفلت منه ، وقال غيره : ما به شيء يقلقه فيقلب منه على فراشه ، وقال النحاس : حكى عبد الله بن مسلم أن بعضهم يقول في هذا أي : ما به حول ، ثم استعير من هذا الأصل لكل سالم ليست به آفة . قوله : ( فأخبرناه ) أي : أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم ، بموت أبي رافع . ثم إن الذي يظهر من هذا الحديث أن الذي قتله هو عبد الله بن عتيك ، وقال ابن سعد وغيره : لما ذهب الجماعة المذكورون إلى خيبر كمنوا ، فلما هدأت الرجل جاؤوا إلى منزله فصعدوا درجة له وقدموا عبد الله بن عتيك لأنه كان يرطن باليهودية ، واستفتح ، وقال : جئت أبا رافع بهدية ففتحت له امرأته ، فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح فأشاروا إليها بالسيف فسكتت ، فدخلوا عليه فما عرفوه إلاَّ ببياضه كأنه قبطية فعَلَوه بأسيافهم . قال ابن أنس : وكنت رجلاً أعشى لا أبصر فأتكيء بسيفي على بطنه حتى سمعت حسه في الفراش وعرفت أنه قضى ، وجعل القوم يضربونه جميعاً ، ثم نزلوا وصاحت امرأته فتصايح أهل الدار واختبأ القوم في بعض مياه خيبر ، وخرج الحارث أبو زينب في ثلاثة آلاف في آثارهم يطلبونهم بالنيران فلم يجدوهم فرجعوا ، ومكث القوم في مكانهم يومين حتى سكن الطلب ، ثم خرجوا إلى المدينة وكلهم يدعي قتله ، فأخذ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم أسيافهم فنظر إليها فإذا أثر الطعام في ذبابة سيف ابن أنيس ، فقال : هذا قتله . وفي كتاب ( دلائل النبوة ) : قتله ابن عتيك ودفف عليه ابن أنيس . وفي ( الإكليل ) عن ابن أنيس ، قال : ظهرت أنا وابن عتيك وقعد أصحابنا في الحائط ، فاستأذن ابن عتيك فقالت امرأة ابن أبي الحقيق : إن هذا لصوت ابن عتيك ، فقال ابن أبي الحقيق : ثكلتك أمك * ، ابن عتيك بيثرب ، أنَّى هو هذه الساعة ؟ افتحي ، فإن الكريم لا يرد على بابه هذه الساعة أحداً ، ففتحت فدخلت أنا وابن عتيك ، فقال لابن عتيك : دونك ، فشهرت عليها السيف فأخذ ابن أبي الحقيق وسادة فاتقاني بها ، فجعلت أريد أن أضربه فلا أستطيع ، فوخزته بالسيف وخزاً ثم خرجت إلى ابن أنيس ، فقال : اقتله ؟ قلت : نعم . وقال الواقدي : كانت أم ابن عتيك التي أرضعته يهودية